محمد بن الطيب الباقلاني
325
الإنتصار للقرآن
ليستا من القرآن ، فكذلك سبيل من تأوّل تأويلا أدّاه إلى الامتناع من تسمية المعوّذتين قرآنا في أنّه لا يجب بهذا القدر أن يعتقد فيه إنكار كونهما قرآنا ، وسواء غلط وتوهّم في ذلك الاجتهاد أم أصاب وصحّح . فأمّا تعلّق عبد اللّه في منع تسميتها قرآنا وغيرها برواية أبيّ عن النبي صلى اللّه عليه أنّه قال لمّا سأله : أمن القرآن هما ؟ : « قيل لي : قل ، فقلت » ، فإنّه لا تعلّق في ذلك لعبد اللّه ولا لأبيّ ولا غيرهما من كلّ من توهّم ذلك ، لأنّ قول الرسول صلى اللّه عليه : « إنّما قيل لي : قل ، فقلت » ، ليس بنفي لتسميتهما قرآنا ، بل هو تنبيه منه على أنّه قرآن ، قيل له : « قل ، واقرأ على حسب ما أوحي إليك وقيل لك ) ، ولو كان قول اللّه تعالى له في السورتين : ( قل ) وإخبار الرسول بأنّه أقرّ بذلك دلالة على أنّهما ليستا من كتاب اللّه لوجب أن تكون هذه سبيل كلّ موضع قيل له : قل . وقد قال اللّه سبحانه لنبيه : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ الزمر : 46 ] ، وقال : فَإِنْ أَعْرَضُوا « 1 » فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [ فصلت : 13 ] و قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] في نظائر لهذه الآيات قد قيل له صلى اللّه عليه في جميعها : ( قل ) ، ولم يصيّر ذلك شبهة لأحد في أنّها ليست بقرآن ، ولا ممّا يجب أن يسمّى قرآنا ، وكذلك قوله : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ لا يدلّ على ذلك ، وقول الرسول صلى اللّه عليه : « قيل لي : قل . . » ليس فيه تصريح بأنّ ما قيل / له فيه : ( قل ) [ 203 ] ليس بقرآن ولا تنبيه على ذلك أيضا ، فبطل التأويل في إخراج المعوّذتين عن أن تكون قرآنا بهذه الرواية وهذا الجواب من رسول اللّه صلى اللّه عليه .
--> ( 1 ) في الأصل : ( فإن تولوا ) ، وهو من خطأ الناسخ .